مقال رأي: تونس، الإستفتاء ولعبة الإحتمالات

Écrit par sur 28 mai 2022

تونس: الإستفتاء ولعبة الإحتمالاتPeut être une image de 1 personne

بقلم أنيس العبيدي

(رجل قانون وكاتب)

يلاحظ المتابع للمشهد التونسي أن البلاد من شهور تترنح وتسير على سراط أحد من السيف. بين أزمة مالية خانقة وعجز في توفير موارد لتعبئة الميزانية واقتصاد بدوره مخروم يشهد عجزا في الميزان التجاري إضافة إلى تدني الاستثمار الداخلي والعجز على استقطاب مستثمرين أجانب، زد على ذلك ما خلفته مرحلة انتشار وباء كورونا من أوضاع إجتماعية متردية وحالة التضخم التي بات يشهدها الإقتصاد العالمي وارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب الأوكرانية الروسية، كل هذه العوامل كان لها أثر كبير على الإقتصاد التونسي والذي ستظهر آثاره حسب المختصين في الأيام القليلة القادمة أو على أقصى تقدير الأسابيع المقبلة.

           لا يختلف المشهد السياسي التونسي كثيرا عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالبلاد فالأمر كما المتلازمة الرياضية إذا صلح شأن السياسة صلح شأن الإقتصاد وإذا فسدت السياسة والحكم فسد المال والأعمال والعكس بالعكس صحيح فمن أهم المشاكل هذا المشهد منذ 25 جويلية 2021  الضبابية التي ميزته في ما يتعلق بالرؤى المستقبيلة والمسار الذي ستنتهجه البلاد لإعطاء رسائل طمأنة لشركائها من الفاعلين الاقتصاديين الأجانب. فلئن بدا الهدف واضحا بعض الشيء صباح 26 جويلية وهو القطع مع مرحلة من الصراعات السياسية والإحتقان الشعبي نتيجة فشل المتحكمين في المشهد قبل 25 جويلية وما خلفه من فقر وبؤس وانخرام في جميع القطاعات إلا أن الرؤية انعدمت في صائفة 2021 ودخلت البلاد في بحر من الظلمات مع دخول خريف 2021 وزاد المشهد قتامة تصريحات الرئيس قيس سعيد في رده على معارضيه ونعتهم بأبشع النعوت والتي كانت نارية ولا تأخذ بعين الاعتبار حالات الاحتقان التي يشهدها الشارع السياسي. وبين مساند ومناهض لإجراءات 25 جويلية المتمثلة في الاحتكام للفصل 80 من الدستور عاشت البلاد حالة من الانقسام وحالة من التراشق بالتصاريح بين الرئيس سعيد من جانب ومعارضيه من جانب آخر.

         لم يكن الشارع بمنأى عن هذه الصراعات الكلامية أو الخطابات التي تصدر من هذا الطرف أو الآخر بل إنعكس ذلك على التحرك في مستوى الشارع السياسي فعاشت البلاد من 25 جويلية إلى يوم الناس هذا مسيرات ومسيرات مضادة بين مؤيد ومناهض للمسار وعادت تونس و المشهد التونسي إلى التخندق من جديد في أحد خندقين، خندق موال للرئيس و للإجراءات التي اتخذها وخندق يعتبر أن الالتجاء إلى الفصل 80 هو انقلاب على الشرعية وعلى الدستور.

      حين أعلن قيس سعيد رئيس الجمهورية التونسية على خارطة طريقه أو فلنقل المسار الذي سيسلكه (لأن خارطة طريق تحيل على كتب الجغرافيا بحسب تصريح الرئيس سعيد) اتضحت الرؤية نوعا ما لدى المساندين لمساره وباتت المواعيد واضحة رغم غموض بعض المفاهيم التي لم تحدد كالإشارة مثلا الإستشارة الوطنية التي جاءت مبهمة فلم يرد كيف ومع من وماذا ستكون مدخلاتها وما هو الهيكل الذي سيشرف عليها ومدى الزامية مخرجاتها وما هو الحد الأدنى للمشاركين فيها والذي يجعل منها ملزمة. أسئلة كثيرة شغلت المتابعين والمختصين وقتها وزادت في الريبة في نوايا الرئيس في زمن كان فيه جناح من التشكيلات السياسية الذين كانوا يسمون أنفسهم بأعضاء الحملة التفسيرية لبرنامج الرئيس يتنقلون بين البلاطوهات الإعلامية يشرحون القول ويرسمون للتونسيين ما لم يصدح به الرئيس لشعبه، فغياب النصوص الواضحة والمنشورة فتح الباب أمام التأويل والقراءات الأحادية وما يحتويه ذلك من تعسّف في قراءة “النص” وتأويله وتطبيقه. وكان ذلك أشدّ خطورة عندما تكون البلاد في فترة تجميع السّلط في يد واحدة وغياب أي رقابة على هذه السلطة أوهذه المؤسسة المحتكرة لها. فالخطر هو أن تكون هذه الأحكام الانتقالية “الشفوية أحيانا” والمكتوبة أحيانا أخرى والمضمّنة في الأوامر الرئاسية لا توجد إلا في ذهن رئيس الجمهورية ولا يعلمها إلا هو.

        تعددت المراسيم والأوامر الرئاسية المتعلقة بتنظيم تسيير الشأن العام بالبلاد في هذه المرحلة الأستثنائية من الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 المؤرخ في 22 سبتمبر 2021 المتعلق بالتدابير الاستثنائية إلى صدور المرسوم عدد 32 لسنة 2022 الذي تعلق بالاستفتاء المقرر ليوم 25 جويلية 2022 مرورا بالمرسوم عدد 22 المتعلّق بتنقيح قانون هيئة الانتخابات، فتجلت الغمامة قليلا عن بعض ما يدور بذهن الرئيس وأصبح للمسار آجال معلومة ومراحل محددة وإجراءات مضبوطة رغم الشوائب التي تضمنتها هذه النصوص والإجراءات. وبقي الإشكال يتعلق بذرق عمل اللجنة الاستشارية المكلفة بإعداد مشروع الدستور والذي تطرقنا طرقنا له بمقال سابق بعنوان « تونس ولعبة الكراسي الفارغة » تجدونه على نفس الموقع. أما بالنسبة للإستفتاء فبقد بقي الغموض هو ذاته والإبهام هو نفسه، إذ لم يفصح نص المرسوم ولا الأمر الرئاسي المتعلق بدعوة الناخبين للإستفتاء على شكليات جوهرية تتحدد بمقتضاها نتيجة الاستفتاء ومصير البلاد عامة.

        يعد الاستفتاء Referendum يعتبر الاستفتاء من أهم مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة والتي هي نظام مزيج من الديمقراطية المباشرة، وبالتالي فهو  محاولة لتجاوز التطبيقات المتطرفة لكلٍ من الديمقراطية المباشرة والديمقراطية التمثيلية. فالفكرة الأساسية من وراء منظومة الإستفتاء تقوم على أساس أنه إذا كان من المستحيل جمع الشعب في مكان واحد لممارسة الديمقراطية المباشرة؛ إلا أنه من الممكن إعطاؤه بعض الوسائل التي تمكنه من التدخل المباشر في بعض القضايا المهمة والمصيرية.

       ينقسم الاستفتاء إلى أقسام متعددة وفقاً للزاوية التي يُنظر إليه منها من حيث الموضوع (استفتاء دستوري واستفتاء تشريعي واستفتاء سياسي) ومن حيث ميعاد إجرائه (استفتاء سابق على القانون واستفتاء لاحق على القانون) و من حيث مدى وجوب إجرائه قانوناً (استفتاء إجباري واستفتاء اختياري) و من حيث قوته القانونية الملزمة (استفتاء ملزم واستفتاء غير ملزم أو استشاري).

       وإن كانت هذه التصانيف للإستفتاء هي تصنيفات فقه دستورية إلا أن ما يجب ان يرسخ بالذهن هو أن الاستفتاء هو من حيث المبدأ نوعاً من أنواع ممارسة الشعب للسلطة بطريقة ديمقراطية، وهو يعني الرجوع إلى جمهور الناخبين- بوصفهم أصحاب السيادة- لأخذ رأيهم أو قرارهم ويبيت بذلك من غير المستساغ أن تخالف الحكومات الديمقراطية رأي الشعب الناتج عن استفتاء حتى لو كان استشاريا.

       بالنسبة للوضع التونسي فإن المرسوم المتعلق بالاستفتاء يصنفه ضمن الاستفتاءات الدستورية طالما أن موضوعه هو التصويت بنعم أو لا على دستور كلف رئيس الجمهورية لجنة لصياغته وعرضه على الشعب بمقتضى أمر رئاسي أجله 30 جوان 2022.

       الإشكال لا يتعلق مطلقا بإجراءات الاستفتاء وآجاله والخوض في ذلك هو من باب المغالطات الكبرى بل المشكل الحقيقي يتمحور في ما سبق قوله من أن الأمور مبهمة ووحده الرئيس يتحوز بذهنه على تصوره وما يصبو إلى تحقيقه. إذا يعد عدم تقديم مختلف السيناريوهات لما ستؤول له نتائج الإستفتاء هو غبن لحق الشعب في معرفة نتائج خياره الذي سيصرح به عند الاستفتاء على الدستور الجديد. فلو فرضنا جدلا أن نسبة التصويت بـ « لا » كانت الغالبة ماذا ستكون الآثار هل يتم الرجوع إلى دستور 2014 والدعوة إلى انتخابات تشريعية فقط أو اعتبار أن الاستفتاء على الدستور المرفوض هو أيضا استفتاء على الرئيس بالتالي يتعين عليه وقتها الإستقالة والدعوة لإنتخابات رئاسية سابقة لأوانها؟

ومن الاخلالات الأخرى التي تضمنها المرسوم المتعلق بالاستفتاء أيضا خلوّه من حد أدنى لعدد المشاركين فيه حتى يعتبر شعبيا ويكتسي المشروعية والشرعية. السكوت عن هذه النقطة بدوره يفتح الباب إلى تاويلات مختلفة واحتمالات متعددة. ففي صورة مشاركة نفس العدد الذي شارك في الاستشارة الالكترونية هل سيعتمد الاستفتاء أو سيعتبر ملغى وبذلك يصرح بجدية مقاطعة الشعب للاستفتاء والذي يؤول على انه رفض شعبي لمشروع الرئيس.

       لا شك في أن النقائص الواردة بالمرسوم المذكور يمكن تداركها بأمر رئاسي يصدره الرئيس قبل انهاء اللجنة اعمالها وصدور الامر المتعلق بمشروع الدستور حتى يتبين للشعب الخيط الأبيض من الأسود من الفجر وحتى لا تؤول الأمور إلى ما لا يحمد عقباه بتنامي الاحتقان في ظل الأزمتين الاقتصادية والإجتماعية.


Les opinions du lecteur
  1. Riadh ben belgacem   Sur   28 mai 2022 à 19h55

    ممتاز ..طالما وضعت النقاط على الحروف بخصوص خارطة طريقه ..هذا هو الاشكال الحقيقي ..لبناء جمهورية جديدة وجب التفطن إلى كل الاخلالات السابقة التي أوصلت البلاد لهذه المرحلة طالما نسير وسط الضبابية ..فالرؤية فالمستقبل تبقى غير واضحة ..

Laisser un commentaire

Votre adresse email ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *



En ce moment

Titre

Artiste

Facebook