الاستعمار والإستخراب

Écrit par sur 9 juin 2022

كتب أنيس العبيدي (رجل قانون وكاتب تونسي)Peut être une image de 1 personne

الاستعمار والاستخراب
اذكر زمانا عندما كان لا يكاد يخلو بيت من البيوت في بلدتي التي قضيت فيها مرحلة الطفولة السرس من دالية عنب وشجرة تين او شجرة خوخ او مشمش او حبة الملوك. ويحدثنا شيوخ البلدة عن بساتين الفرنسيين التي كانت بها انواع الغلال فمثلا حي الزهور، الذي يعترضك وانت تدخل البلاد من مدخلها الغربي قادما من مدينة الكاف متجها الى مدينة سوسة، بني على « سانية » عنب تسمى بسانية المعمر « بايس ». وكانت الاراضي الممتدة على ضفاف وادي تاسة تزينها أشجار الخوخ بأنواعه « خوخ مايو » « البوطبقاية » وانواع المشمش من « الشاشي » الى « العسلي » والتي مازالت اثار معدات السقي التي بنيت على حافة الوادي شاهدة على ذلك.
ماذا فعلنا بعدما استرددنا الاراضي من المعمر غذاة الاستقلال. تحولت ضفاف الوادي الى مزابل واقتلعنا الاشجار وبنينا مكانها احياء شعبية من « الكنتول » حد انك في فترة من الفترات ما ان تلوح لك مدينة السرس من بعيد حتى يبدو لك المشهد رماديا داكنا في لون « الكنتول ».
أما من ظل وفيا للأرص ومارس الفلاحة فقد زرع الحقول قمحا وشعيرا لانهما الاقل جهدا وانتاجهما رهين ما تجود به السماء من امطار. « ارم قمحك بالارض وانتظر الاله بعل يجود عليك بالمطر ». كذلك يفسر احد أصدقائي معنى الزراعات البعلية.
اما وادي تاسة فقد تحول الى « جروالة » تلك التي لا تفيض الا اذا امطرت بغزارة تفوح منه روائح عطنة من أثر ما يلقى به. ومرد ذلك تلك السدود غير المدروسة التي حكمت بالاعدام على عدة اودية كانت هي الروح للعديد من الاراضي وكانت هي السبب في نشوء مدن وقرى على ضفافها.
أصبحت مدن كالسرس وتقريبا كل القرى التي بنيت على ضفاف وادي تاسة القادم من الجزائر شاقا ولاية جندوبة والكاف تشكو العطش وجفاف المائدة المائية التي كانت تتزود من مجرى مياه الوادي ومن الامطار التي تجلب سحبها وغيومها الاشجار. أدى توقف سليان مياه الوادي وغياب الاشجار الى الجدب والجفاف وقريبا قد تهجر تلك القرى والمدن فتلك عادة البشر لا يجتمعون الا حول منابع الماء.
ماذا فعلنا باراضينا وبقرانا. هل كانت سياسة الاستعمار الفلاحية ارحم بالارض منا. اسألوا اباءكم عن تونس الخضراء زمن الاستعمار ادخلو صور الارشيف وانتم ترون كيف كانت هذه البلاد وكيف اصبحت.
الأمر لا يتعلق بالقطاع الفلاحي فحسب بل يتعداه إلى العديد من القطاعات الاخرى وقد يبدو جليا في المجال المعماري إنك مثلا وأنت تتجول في شوارع العاصمة تونس وأنهجها وأزقتها التي بناها المستعمر الفرنسي تلاحظ انك أمام كتابا مفتوحا. كتاب يروي تاريخا او يحيل على حقبة تاريخية بما احتوته من افكار فلسفية وتنظيم مجتمعي وسياسي واقتصادي.
كأن السياسي الذي قرر و المهندس الذي صمم والبنّاء الذي نفذ كلهم على دراية واطّلاع بالمدارس الفنية والمناهج الفلسفية والنظريات الاجتماعية ويعرفون ما يريدون أي لوحة فنية يريدون رسمها.
هذه البنايات بناها المستعمر الفرنسي وهي التي لاتزال تحافظ على بهاء العاصمة.
أسئلة كثيرة الآن تجول بخاطرك ربما أهمها « ماذا بنينا نحن منذ الاستقلال الى هذا اليوم؟ »
سأجيبك لا تتعجل…
ان دولة الاستقلال قد انصرفت الى بناء الفرد « المواطن التونسي » أو المنتمي الى القومية التونسية. حاولت حكومات الحكم البورقيبي زرع فكرة العرق التونسي المختلف عن العربي والغربي وعن كل العرقيات الاخرى في فترة تميزت على المستوى التنظيري السياسي بتيار القوميات لكنها لم تجمع هذا الشتات على فكرة موحدة. ربما فكرة ثقافية أو حضارية ما كنت أسميه دائما روح البلاد وهو ما جعل عملية تجميع الشتات بالقوة واستعمال السلطة العليا للدولة والقمع إحيانا تفشل وتظهر حقيقة الشتات حال انتكاس الالة القمعية للدولة.
ورغم هذا الانصراف الى تجميع المفتت وتشكيل المجزء في وحدة متناسقة يمكن ان نطلق عليها المواطن التونسي او الانسان التونسي مثل الجرماني والآري والوندالي واللاتيني والعربي. ورغم كل الجهود التي بذلت والاموال التي صرفت الا ان تلك الحكومات لم تهمل الجانب المعماري وان كانت لم تبن شيئا يذكر عدا بعض المنشآت الضخمة مثل نزل الميريديان ونزل البحيرة ونزل الهناء ونزل الهلتن والمشتل التي شهدت ازدهارا في سنوات الرفاه العالمي الذي تواصل من الستينات الى اواخر السنوات السبعين. كما بنت المؤسسات التعليمية الضخمة التي اعتمدت عليها في بناء الفرد والارتقاء بالمجتمع ثقافيا وعلميا.
بعد فترة الحكم البورقيبي لم تستطع حكومات بن علي التصدي لغزو العشوائية والفوضى وتراكم الهامش واتساعه لصعوبة الظروف الاقتصادية التي مرت بها البلاد في اطار ظرفية عالمية تميزت بانتكاسة في الاسواق وتراجع في فوائض الانتاج غير ما كان عليه الامر في الستينات والسبعينات.
فتلك الظروف شجعت على حركة كبيرة للنزوح الى المدن الكبرى والاستقرار على هوامش تلك المدن. مما ادى الى انتشار احياء عشوائية بلا تخطيط مسبق بناياتها متراصة كقرى النمل.
وامتدت العشوائية لتصبح فكرا وتصرفا ولهجة تخاطب مست حتى من الطراز المعماري للعاصمة. اذ ان العشوائية كفكر ميزت اذهان الاغنياء الجدد في فترة التسعينات الذين اقتنوا الكثير من البناءات القديمة وهدوها وأعادوا بناءها فكانت بناءات تمثل قبحا كبيرا لما احتوته من نشاز عن روح الطراز المعماري الذي بنيت عليه أنهج وشوارع العاصمة وكان حري ببلدية الحاضرة ان تفرض كراس شروط يتعلق بفرض الطراز المعماري الذي تقام عليه البناءات الجديدة بدلا من ترك الامر للمهندسين الذين بدورهم اصبحوا يلبون رغبة صاحب المشروع.
ماذا بنينا بعد ذلك؟ لم نبن شيئا سوى علب كرطونية منتصبة بلا روح وبلا ملامح. لا شيء يميزنا غير ما بناه الاجداد من مدن عتيقة وما خلفه المستعمر من بناءات.
الهندسة المعمارية فن وفلسفة وعلم اجتماع وليست مجرد تقنيات لتلبية رغبة صاحب المشروع.
المسألة تحتاج إلى دراسة انتروبولوجية واجتماعية نفسية لإدراك علاقة التونسي بالأرض وتصوراته لبلاده وهل أن ما أسميه « روح البلاد » يسكن عقل التونسي ووجدانه. هل للتونسي تصور لحقيقة وضع بلاده وهل يحمل رؤية حتى وان كانت خيالية لما ستصبح عليه بلاده بعد عقدين وأكثر؟ ماذا يريد التونسي من دولته وماذا يتوقع من الدولة أن تحتاجه منه؟ كلها أسئلة مهمة لبناء مستقبل بلد ما، لكن للأسف مثل هذه الأسئلة لم يربى عليها التونسي حتى يدرك دوره الحقيقي والتزامه تجاه الرقعة الارضية التي يعيش فيها.

أزمة علاقة التونسي بأرضه أصبحت اشكالا كبيرا يتحتم الانكباب عليه بالدراسة من طرف المختصين ومن طرف الهياكل الحكومية المعنية لبناء تصور يبعث الأمل في غد أفضل.


Les opinions du lecteur

Laisser un commentaire

Votre adresse email ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *



En ce moment

Titre

Artiste

Facebook